فصل: تفسير الآيات (8-9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.سُورَةُ الْهُمَزَةِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم.

.تفسير الآية رقم (1):

{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}.
اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ: {وَيْلٌ}.
فَقِيلَ: هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ.
وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَةُ عَذَابٍ وَهَلَاكٍ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ ذِكْرُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [45/ 7]، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مَصْدَرٌ لَا لَفْظَ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَنَّ الْمُسَوِّغَ لِلِابْتِدَاءِ بِهَا مَعَ أَنَّهَا نَكِرَةٌ كَوْنُهَا فِي مَعْرِضِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ.
وَقَدِ اسْتَظْهَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِمَا اسْتَظْهَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا جَاءَ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، أَنَّهُمْ قَالُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهَا: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [21/ 14]، فَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَصَائِبِ، وَعِنْدَ التَّقْبِيحِ.
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: أَصْلُ الْوَيْلِ لَفْظَةُ السُّخْطِ وَالذَّمِ، وَأَصْلُهَا وَيٌّ لِفُلَانٍ، ثُمَّ كَثُرَتْ فِي كَلَامِهِمْ فَوُصِلَتْ بِاللَّامِ، وَيُقَالُ: وَيْحٌ بِالْحَاءِ لِلتَّرَحُّمِ اهـ.
وَمِمَّا يَدُلُّ لِقَوْلِ الرَّازِيِّ أَيْضًا قَوْلُ قَارُونَ: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} [28/ 82].
وَمِثْلُهُ لِلتَّعَجُّبِ فِي قَوْلِهِ: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [11/ 72].
وَقَوْلِهِ: {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [5/ 31].
فَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْهَلَكَةِ، أَوْ شِدَّةِ التَّعَجُّبِ مِمَّا يُشْبِهُ الْمُسْتَبْعَدَ.
وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ: هُوَ هَذَا الْمَعْنَى، وَسَبَبُ الْخِلَافِ قَدْ يَرْجِعُ لِمَجِيئِهَا تَارَةً مُطْلَقَةً كَقَوْلِهِ: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [77/ 15]، وَهُنَا وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
وَيَجِيءُ مَعَ ذِكْرِ مَا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَقَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [38/ 27]، وَقَوْلِهِ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [43/ 65]، فَذَكَرَ النَّارَ وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [19/ 37]، فَهِيَ فِي هَذَا كُلِّهِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، مِمَّا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ النَّارِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِذَاتِهَا دُونَ مَا ذُكِرَ مَعَهَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: {هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} قِيلَ: هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْغِيبَةُ.
وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ:
تُدْلِي بِوُدِّي إِذَا لَاقَيْتَنِي كَذِبًا ** وَإِنْ أَغِيبُ فَأَنْتَ الْهَامِزُ الْهُمَزَهْ

وَعَزَا هَذَا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الَّذِي يُصِيبُ النَّاسَ وَيَطْعَنُ فِيهِمْ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ اسْتِعْمَالُ كُلٍّ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ مُفْرَدَةً عَنِ الْأُخْرَى، بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ.
فَفِي الْهُمَزَةِ قَوْلُهُ: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [68/ 11]، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ.
وَفِي الْهُمَزَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [49/ 11].
وَقَوْلُهُ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [9/ 58]، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَقْرَبُ لِلتَّنَقُّصِ وَالْعَيْبِ فِي الْحُضُورِ لَا فِي الْغِيبَةِ، فَتَغَايُرُ الْهَمْزِ فِي الْمَعْنَى، وَفِي الصِّفَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَمْعٌ بَيْنَ الْقَبِيحَيْنِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِكَلِمَةِ: {وَيْلٌ}.
وَقَدْ قِيلَ: الْهَمْزُ بِالْيَدِ: وَقِيلَ: بِاللِّسَانِ فِي الْحَضْرَةِ، وَالْهَمْزُ فِي الْغَيْبَةِ.
وَقِيلَ: الْهَمْزُ بِالْيَدِ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ، وَالْغَمْزُ بِالْعَيْنِ، وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ تَشْتَرِكُ فِي تَنَقُّصِ الْآخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}. هَذَا الْوَصْفُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عِلَّةٌ فِيمَا قَبْلَهُ، إِذِ الْمَوْصُولُ هُنَا يَدُلُّ مِنْ كُلٍّ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْعَيْبُ فِي جَمَعَ مَالًا بَلْ فِي: {عَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}. وَفِي: {عَدَّدَهُ} عِدَّةُ مَعَانٍ:
قِيلَ: عَدَّهُ كُلَّ وَقْتٍ وَآخَرَ، تَحَفُّظًا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عَدَّدَهُ كَنَزَهُ.
وَقِيلَ: عَدَّدَهُ أَعَدَّهُ لِلْحَاجَةِ.
وَقُرِئَ: {جَمَّعَ} وَعَدَّدَ بِالتَّشْدِيدِ وَبِالتَّخْفِيفِ. وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ شُحًّا وَبُخْلًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}. هَذَا الْحُسْبَانُ هُوَ الْمَذْمُومُ عَلَيْهِ، وَالْمُنْصَبُّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ؛ لِأَنَّهُ كَفَرَ بِالْبَعْثِ. كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْجَنَّةِ فِي الْكَهْفِ: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} [18/ 35- 36].

.تفسير الآية رقم (4):

{كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}. كَلَّا: رَدْعٌ وَزَجْرٌ لَهُ عَلَى حُسْبَانِهِ الْبَاطِلِ، وَلَيُنْبَذَنَّ فِي جَوَابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَلَّا.
وَهَذَا يُفَسِّرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [101/ 9]، أَيْ: يُنْبَذُ نَبْذًا، فَيَهْوِي عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ. عِيَاذًا بِاللَّهِ.
وَالْحُطَمَةُ: فُعَلَةٌ مِنَ الْحَطْمِ، وَهُوَ الْكَسْرُ، ثُمَّ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ.
وَقَدْ فُسِّرَتْ بِمَا بَعْدَهَا: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ} [104/ 6]، وَسُمِّيَتْ حُطَمَةً لِأَنَّهَا تُحَطِّمُ كُلَّ مَا أُلْقِيَ فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.

.تفسير الآيات (8-9):

{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}.
قِيلَ: مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ. بِأَنَّ الْعَمَدَ صَارَتْ وَصْدًا لِلْبَابِ كَالْقُفْلِ، وَالْغَلْقِ لَهُ.
وَقِيلَ: فِي عَمَدٍ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي عَمَدٍ كَالْقَصَبَةِ، مُجَوَّفَةِ الدَّاخِلِ.
وَقِيلَ: فِي عَمَدٍ: أَيْ تُوضَعُ أَرْجُلُهُمْ فِي الْعَمَدِ عَلَى صُورَةِ الْقَيْدِ فِي الْخَشَبَةِ الْمُمْتَدَّةِ، يُشَدُّ فِيهَا عَدَدٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ فِي أَرْجُلِهِمْ.
وَكُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَمَدَ بِمَعْنَى الْقَصَبَةِ الْمُجَوَّفَةِ تُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [25/ 13].
فَيَكُونُ أَرْجَحُ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي إِمْلَائِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ.

.سُورَةُ الْفِيل:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم.

.تفسير الآيات (3-4):

{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ}.
اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّجِّيلِ هُنَا.
فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ السِّجِّينُ، أَبُدِلَتِ النُّونُ لَامًا، وَالسِّجِّينُ النَّارُ.
وَقِيلَ: إِنَّ السِّجِّيلَ مِنَ السِّجِّلِّ، كَأَنَّهُ عَلَمٌ لِلدِّيوَانِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ عَذَابُ الْكُفَّارِ، كَمَا أَنَّ سِجِّينًا لِدِيوَانِ أَعْمَالِهِمْ وَاشْتِقَاقِهِ مِنَ الْإِسْجَالِ وَهُوَ الْإِرْسَالُ، وَمِنْهُ السِّجِّلُّ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءُ مَاءً، وَهِيَ حِجَارَةٌ مُرْسَلَةٌ لِقَوْلِهِ: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّ سِجِّينًا، عَنِ الدِّيوَانِ أَعْمَالُهُمْ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [83/ 7].
وَقِيلَ: مَعْنَى سِجِّيلٍ سِتْكٌ وَطِينٌ، يَعْنِي بَعْضَ حَجَرٍ وَبَعْضَ طِينٍ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشَّدِيدُ.
وَقِيلَ: السِّجِّيلُ اسْمٌ لِسَمَاءِ الدُّنْيَا.
وَتَقَدَّمَ لِلشِّيخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، تَرْجِيحُ أَنَّهَا مِنْ طِينٍ شَدِيدِ الْقُوَّةِ.
وَهَذَا مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ لِمَا فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} [51/ 32- 34] فَنَصَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ طِينٍ.
وَالْحِجَارَةُ مِنَ الطِّينِ: هِيَ الْآجُرُّ وَهُوَ الطِّينُ الْمَطْبُوخُ حَتَّى يَتَحَجَّرَ.
وَجَاءَ النَّصُّ الْآخَرُ أَنَّهَا مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُوضٍ فِي قَوْلِهِ: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [11/ 82]
وَقِيلَ فِيهَا: كَالْحِمِّصَةِ وَالْعَدَسَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِمْ رَاجِعٌ لِأَصْحَابِ الْفِيلِ، وَقِصَّتُهُمْ طَوِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ أَوْرَدْنَا نُصُوصَ مَعْنَى سِجِّيلٍ، وَتَرْجِيحَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ: أَنَّهَا حِجَارَةٌ مِنْ طِينٍ شَدِيدِ الْقُوَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا قِيلَ مِنِ اسْتِبْعَادِ ذَلِكَ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ صَرَفَ مَعْنَاهَا إِلَى غَيْرِ الْحِجَارَةِ الْمَحْسُوسَةِ.
أَمَّا مَنِ اسْتَبْعَدَهَا، فَقَدْ حَكَاهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
وَقَالُوا: لَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ فِي الْحِجَارَةِ الَّتِي تَكُونُ مِثْلَ الْعَدَسَةِ مِنَ الثِّقْلِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ وَيَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ، لَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ الْجَبَلُ الْعَظِيمُ خَالِيًا عَنِ الثِّقَلِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَزْنِ التَّبِنَةِ، وَذَلِكَ يَرْفَعُ الْأَمَانَ عَنِ الْمُشَاهَدَاتِ.
فَإِنَّهُ مَتَى جَازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنَا شُمُوسٌ وَأَقْمَارٌ، وَلَا نَرَاهَا، وَأَنْ يَحْصُلَ الْإِدْرَاكُ فِي عَيْنِ الضَّرِيرِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ بِالْمَشْرِقِ، وَيَرَى قِطْعَةً مِنَ الْأَرْضِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَذْهَبِنَا، إِلَّا أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّهَا لَا تَقَعُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْكِيهِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 606 سِتِّمِائَةٍ وَسِتٍّ، فَنَرَى اسْتِبْعَادَهُمْ إِيَّاهَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْكِيمِ الْعَقْلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ دَائِمًا فَوْقَ قَانُونِ الْعَقْلِ، بَلْ إِنَّ تَصَوُّرَاتِ الْعَقْلِ نَفْسِهِ مَنْشَؤُهَا مِنْ تَصَوُّرَاتِنَا لِمَا نُشَاهِدُهُ.
وَإِذَا حُدِّثَ الْعَقْلُ بِمَا لَمْ يَشْهَدْهُ أَوْ يَعْلَمْ كُنْهَ وُجُودِهِ لَاسْتَبْعَدَهُ كَمَا هُوَ فِي وَاقِعِنَا الْيَوْمَ، لَوْ حُدِّثَتْ بِهِ الْعُقُولُ سَابِقًا مِنْ نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَالصُّورَةِ عَلَى الْأَثِيرِ، وَتَوْجِيهِ الطَّائِرَاتِ وَأَمْثَالِهَا، لَمَا قَوِيَ عَلَى تَصَوُّرِهَا لِأَنَّهَا فَوْقَ نِطَاقِ مَحْسُوسَاتِهِ وَمُشَاهَدَاتِهِ.
وَحَتَّى نَحْنُ لَوْ لَمْ يُسَايِرْهَا مَنْ عَلِمَ بِمَا يَحْمِلُهُ الْأَثِيرُ مِنْ تَيَّارٍ كَهْرَبَائِيٍّ، وَمَا لَهُ مَنْ دَوْرٍ فَعَّالٍ فِي ذَلِكَ لَمَا أَمْكَنَنَا تَصَوُّرُهُ.
ثُمَّ مَنْ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ تِلْكَ الْجِبَالَ سَيَأْتِي يَوْمٌ تَكُونُ فِيهِ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ أَخَفَّ مِنَ التَّبِنَةِ،
الَّتِي مَثَّلُوا بِهَا، بَلْ سَتَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [78/ 20]، فَظَهَرَ بُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي اسْتَبْعَدَهَا لِعَدَمِ إِدْرَاكِ الْعَقْلِ لَهَا.
أَمَّا مَنْ يُؤَوِّلُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَى مَعْنًى آخَرَ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأِ، إِلَّا أَنَّهُ أَثْبَتَ الْأَصْلَ وَفَسَّرَهُ بِمَا يَتَنَاسَبُ وَالْعَقْلَ.
وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدْ عَبْدُهْ وَتِلْمِيذِهِ السَّيِّدِ رَشِيدْ رِضَا، إِذْ فَسَّرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سِجِّيلٍ، بِأَنَّهُ وَبَاءُ الْجَدَرِيِّ.
وَبِالتَّالِي: فَالطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ: هِيَ الْبَعُوضُ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَقَدِ اعْتَذَرَ لَهُ السَّيِّدْ قُطْبْ: بِأَنَّ الدَّافِعَ لِذَلِكَ هُوَ مَا كَانَ شَائِعًا فِي عَصْرِهِ مِنْ مَوْجَاتٍ مُتَضَارِبَةٍ، مَوْجَةِ انْحِرَافٍ فِي التَّفْكِيرِ نَحْوَ الْإِسْلَامِ وَاسْتِغْلَالِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، كَمِثَالٍ عَلَى مَا يُشْبِهُ الْأَبَاطِيلَ فِي تَشْوِيهِ حَقَائِقِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى طُوفَانٌ عِلْمِيٌّ حَدِيثٌ، مِنْ إِنْتَاجِ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُثْبِتَ حَادِثَةً كَهَذِهِ صُرِفَتْ إِلَى مَا يَأْلَفُهُ الْعَقْلُ مِنْ إِيقَاعِ مَيْكُرُوبِ الْجَدَرِيِّ بِجَيْشِ أَبْرَهَةَ حَتَّى أَهْلَكَهُ، لِكَيْ لَا يَتَصَادَمَ فِي إِثْبَاتِ الْحَادِثَةِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِوَاقِعِ الْعَقْلِيَّةِ الْعَلْمَانِيَّةِ الْحَدِيثَةِ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا اعْتَذَرَ بِهِ السَّيِّدْ قُطْبْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ.
وَلَكِنْ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ الْحِجَارَةَ الَّتِي مِنْ سِجِّيلٍ، جَاءَ النَّصُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ خَاصَّةً بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، بَلْ أُلْقِيَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، بَعْدَ أَنْ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، فَمَا مَوْقِعُ الْجَدَرِيِّ مِنْهُمْ بَعْدَ إِهْلَاكِهِمْ بِإِفْكِهَا الْمَذْكُورَةِ؟
ثُمَّ جَاءَ أَيْضًا: أَنَّهَا مَنْ طِينٍ، فَأَيْنَ الطِّينُ مِنَ الْجَرَاثِيمِ الْجَدَرِيَّةِ؟
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ: مِنْ أَيْنَ جِيءَ بِمَكْرُوبِ الْجَدَرِيِّ؟ وَأَيْنَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ الطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ؟
وَمَتَى كَانَ مَيْكُرُوبُ الْجَدَرِيِّ أَوْ غَيْرُهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ قُرَشِيٍّ وَحَبَشِيٍّ؟
وَمَتَى كَانَ أَيُّ مَيْكُرُوبٍ يَفْتِكُ بِقَوْمٍ وَبِسُرْعَةٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، مَعَ أَنَّ: فَجَعَلَهُمْ، تُشْعِرُ بِالسُّرْعَةِ فِي إِهْلَاكِهِمْ، وَالْعَصْفِ الْيَابِسِ الَّذِي تَعْصِفُ بِهِ الرِّيحُ لِخِفَّتِهِ.
وَمَتَى كَانَ وُجُودُ الْجَدَرِيِّ طَفْرَةً وَفُجَاءَةً، إِنَّهُ يَظْهَرُ فِي حَالَاتٍ فَرْدِيَّةٍ، ثُمَّ يَنْتَشِرُ هَذَا مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَإِدْرَاكِ الْعَقْلِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ مَيْكُرُوبِ الْجَدَرِيِّ.
وَلَكِنَّ مُلَابَسَاتِ الْحَادِثَةِ تَمْنَعُ مِنْ تَصَوُّرِ ذَلِكَ عَقْلًا لِعَدَمِ انْتِشَارِهِ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ الْمِنْطَقَةِ، وَلِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِعْلًا بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَلِعَدَمِ أَيْضًا تَصَوُّرِ مَجِيئِهِ فُجَاءَةً، فَدَلَّ الْعَقْلُ نَفْسُهُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ.
ثُمَّ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى إِذَا رَدَدْنَا خَوَارِقَ الْعَادَاتِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْعَقْلِ لَهَا، فَكَيْفَ نُثْبِتُ مَثَلَ حَنِينِ الْجِذْعِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَى فِي كَفِّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؟
وَقَدْ شَاهَدَ الْعَقْلُ الصُّورَةَ، وَهِيَ خُرُوجُ النَّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ لِقَوْمِ صَالِحٍ، بَلْ إِنَّنَا الْآنَ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ نُشَاهِدُ مَا لَا نُدْرِكُ كُنْهَهُ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، وَنَسْمَعُ الصَّوْتَ مِنَ الْجَمَادِ مُسَجَّلًا عَلَى شَرِيطٍ بَسِيطٍ جِدًّا.
فَهَلْ يَنْفِي الْبَاقِي؟ بَلْ كَيْفَ أَثْبَتَ النَّصَارَى لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ. وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، وَعَمَلَ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَكَيْفَ أَثْبَتَ الْيَهُودُ لِمُوسَى أَمْرَ الْعَصَا وَشَقَّ الْبَحْرِ؟ وَأَيْنَ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟
الْوَاقِعُ أَنَّنَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَعَ كُلِّ قَضِيَّةٍ، يَجِبُ أَنْ نَلْتَزِمَ جَانِبَ الِاعْتِدَالِ، لَا هُوَ جَرْيٌ وَرَاءَ كُلِّ خَبَرٍ، وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا وَلَا هُوَ رَدٌّ لِكُلِّ نَصٍّ وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا قُرْآنِيًّا، بَلْ كَمَا قَالَ السَّيِّدْ قُطْبْ فِي ذَلِكَ:
يَجِبُ أَنْ نَسْتَمِدَّ فِكْرَنَا مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ مَا يُقَرِّرُهُ نَعْتَقِدُهُ وَنَقُولُ بِهِ.
وَقَدْ نَاقَشْنَا هَاتَيْنِ الْفِكْرَتَيْنِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اسْتَبْعَدَتْ ذَلِكَ كُلِّيَّةً، وَالْحَدِيثَةَ الَّتِي أَوَّلَتْهَا.
وَنُضِيفُ شَيْئًا آخَرَ فِي جَانِبِ الْفِكْرَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ لَعَلَّ مِمَّا حَدَا بِأَصْحَابِهَا إِلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَمْ يُرَ الْجَدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مِثْلَ تِلْكَ السَّنَةِ.
وَقِيلَ أَيْضًا: لَمْ يُرَ شَجَرُ الْحَنْظَلِ، إِلَّا فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ.
فَيُقَالُ أَيْضًا: إِنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَبْعِدُ هُنَا أَنْ يَكُونَ إِهْلَاكُ هَذَا الْجَيْشِ الْكَبِيرِ بِتِلْكَ الْحِجَارَةِ فِي مَكَانِ مُعَسْكَرِهِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَوُقُوعَ الْجُثَثِ مُصَابَةً بِهَا، لَا يُمْنَعُ أَنْ تَتَعَفَّنَ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا مَكْرُوبَ الْجَدَرِيِّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ آخَرُ قَالُوا: إِنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْجَيْشِ نَصَارَى وَهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَكِتَابٍ، وَأَهْلُ مَكَّةَ وَثَنِيُّونَ لَا دِينَ لَهُمْ، وَالْكَعْبَةُ مُمْتَلِئَةٌ بِالْأَصْنَامِ، فَكَيْفَ أَهْلَكَ اللَّهُ النَّصَارَى أَصْحَابَ الدِّينِ وَلَمْ يُسَلِّطْهُمْ عَلَى الْوَثَنِيِّينَ؟
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ.
مِنْهَا: أَنَّ الْجَيْشَ ظَالِمٌ بَاغٍ، وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيَمٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَظْلُومُ أَقَلَّ مِنَ الظَّالِمِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ الْحَدِيثُ «فِي نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ، وَاسْتِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا».
وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَثَنِيَّةَ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَغَزْوَ هَذَا الْجَيْشِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِرْهَاصٌ لِمَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ وُلِدَ فِي هَذَا الْعَامِ نَفْسِهِ.
وَكُلُّهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهَا وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْدُو لِي وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي نَشْأَةِ الْبَيْتِ وَإِقَامَتِهِ، إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ رَفَعَ قَوَاعِدَهُ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِي رِحَابِهِ، وَكَانَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا لِلْعَاكِفِينَ فِيهِ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَإِنَّمَا الْوَثَنِيَّةُ طَارِئَةٌ عَلَيْهِ وَإِلَى أَمَدٍ قَصِيرٍ مَدَاهُ وَدَنَا مُنْتَهَاهُ لِدِينٍ جَدِيدٍ.
وَالْمَسِيحِيَّةُ بِنَفْسِهَا تَعْلَمُ ذَلِكَ وَتَنُصُّ عَلَيْهِ وَتُبَشِّرُ بِهِ، فَكَانَتْ مُعْتَدِيَةً عَلَى الْحَقَّيْنِ مَعًا، حَقِّ اللَّهِ فِي بَيْتِهِ، وَالَّذِي تَعْلَمُ حُرْمَتَهُ وَمَا لَهُ، وَحَقِّ الْعِبَادِ الَّذِينَ حَوْلَهُ.
وَكَانَتْ لَوْ سُلِّطَتْ عَلَيْهِ بِمَثَابَةِ الْمُنْتَصِرِ عَلَى مَبْدَأٍ صَحِيحٍ مَعَ فَسَادِهَا، مَبْدَأِ صِحَّةِ وَسَلَامَةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَوَضْعِهِ، الْبَيْتُ الَّذِي مِنْ خَصَائِصِهِ أَنْ يَكُونَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.
فَكَيْفَ لَا يَأْمَنُ هُوَ نَفْسُهُ مِنْ غَزْوِ الْغُزَاةِ وَطُغْيَانِ الطُّغَاةِ، فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى صِيَانَةً لِمَبْدَأِ وُجُودِهِ، وَحِفَاظًا عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ فِي الْأَرْضِ، وَيَكْفِي نِسْبَتُهُ لِلَّهِ «بَيْتُ اللَّهِ».
وَقَدْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ إِذْ قَالَ لِأَبْرَهَةَ:
أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ. وَأَتَى بَابَ الْكَعْبَةِ فَتَعَلَّقَ بِهَا وَقَالَ:
لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْـ ** نَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ

لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ** وَمِحَالُهُمْ عَدَدًا يُوَالِكْ

إِنْ يَدْخُلُوا الْبَلَدَ الْحَرَا ** مَ فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكْ

وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ:
يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ** يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا

إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ** إِنَّهُمْ لَنْ يَقْهَرُوا قُوَاكَاُُ

.سُورَةُ قُرَيْشٍ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم.

.تفسير الآية رقم (1):

{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ}.
اخْتُلِفَ فِي اللَّامِ فِي: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ}، هَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَعَلَى أَيِّ مَعْنًى. أَمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا، وَعَلَى أَيِّ مَعْنًى.
فَمَنْ قَالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا، قَالَ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ فِي قَوْلِهِ: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [105/ 5].
وَتَكُونُ بِمَعْنَى لِأَجْلِ إِيلَافِ قُرَيْشٍ يَدُومُ لَهُمْ وَيَبْقَى تَعْظِيمُ الْعَرَبِ إِيَّاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، أَوْ بِمَعْنَى إِلَى أَيْ جَعَلْنَا الْعَدُوَّ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، هَزِيمَةً لَهُ وَنُصْرَةً لِقُرَيْشٍ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، إِلَى نِعْمَةِ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وَمَنْ قَالَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا، قَالَ: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ} الَّذِي أَلِفُوهُ أَيْ بِمَثَابَةِ التَّقْرِيرِ لَهُ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ، {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}. أَيْ أَثْبَتَهُ إِلَيْهِمْ وَحَفِظَهُ لَهُمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرَدَ جَوَازَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَصْلُ السُّورَتَيْنِ عَنْ بَعْضٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلتَّعَجُّبِ، أَيِ اعْجَبُوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْكِسَائِيِّ وَالْأَخْفَشِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِغَيْرِهِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ مَعًا فِي الصَّلَاةِ فِي رَكْعَةٍ قَرَأَ بِهِمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَبِأَنَّ السُّورَتَيْنِ فِي أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مُتَّصِلَتَانِ، وَلَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا.

وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، وَلَا يَبْعُدِ اعْتِبَارُ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ يُلْزِمُ عَلَيْهِ اتِّصَالَ السُّورَتَيْنِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ اتِّصَالَهُمَا فِي الْمَعْنَى، فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مُتَّصِلَةٌ سُوَرُهُ مَعْنًى.
أَلَّا تَرَى إِلَى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِيهَا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [1/ 6]، فَجَاءَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [2/ 2]، وَبَعْدَهَا ذَكَرَ أَوْصَافَهُمْ وَقَالَ: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [2/ 5]، فَأَيُّ ارْتِبَاطٍ أَقْوَى مِنْ هَذَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْهُدَى الَّذِي تَطْلُبُونَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَهُوَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنْ أَرَادَ اتِّصَالًا حَسًا بِعَدَمِ الْبَسْمَلَةِ، فَنَظِيرُهَا سُورَةُ بَرَاءَةٌ مَعَ الْأَنْفَالِ، وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْقُرَّاءِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ بَيْنَهُمَا، اللَّهُمَّ إِلَّا مُصْحَفَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجْهٌ أَرْجَحَ مِنْ وَجْهٍ.
وَلِذَا لَمْ يُرَجِّحْ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، سِوَى ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:
وَصِحَّةُ الْوَجْهَيْنِ أَقْوَى وَأَعَمُّ فِي الِامْتِنَانِ وَتَعْدَادِ النِّعَمِ.
وَالْإِيلَافُ: قِيلَ مِنَ التَّأْلِيفِ، إِذْ كَانُوا فِي رِحْلَتَيْهِمْ يَأْلَفُونَ الْمُلُوكَ فِي الشَّامِ وَالْيَمَنِ، أَوْ كَانُوا هُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مُؤَلَّفِينَ وَمُجَمَّعِينَ، وَهُوَ امْتِنَانٌ عَلَيْهِمْ بِهَذَا التَّجَمُّعِ وَالتَّأَلُّفِ، وَلَوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ لَفَرَّقَهُمْ وَشَتَّتَهُمْ، وَأَنْشَدُوا:
أَبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ** بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْر

وَقِيلَ: مِنَ الْإِلْفِ وَالتَّعَوُّدِ، أَيْ: أَلِفُوا الرِّحْلَتَيْنِ.
فَلِلْإِبْقَاءِ لَهُمْ عَلَى مَا أَلِفُوهُ.
وَقُرَيْشٌ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: عَلَمٌ عَلَى الْقَبِيلَةِ.
وَقِيلَ: أَصْلُهَا مِنَ النَّقْرَشِ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ أَوِ التَّكَسُّبُ وَالْجَمْعُ.
وَقِيلَ: مِنْ دَابَّةِ الْبَحْرِ الْمُسَمَّاةِ بِالْقِرْشِ وَهِيَ أَخْطَرُ حَيَوَانَاتِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَوَابِهِ لِمُعَاوِيَةَ.
وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ ** ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَاُُ

تَأْكُلُ الرَّثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا ** تَتْرُكُ فِيهَا لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشًا

هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ** يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا

وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ** يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} هُوَ تَفْسِيرٌ: {لِإِيلَافِ} سَوَاءٌ عَلَى مَا كَانُوا يُؤَالِفُونَ بَيْنَ الْمُلُوكِ فِي تِلْكَ الرَّحَلَاتِ، أَوْ مَا كَانُوا يَأْلَفُونَهُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}.
الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ: الْبَيْتُ الْحَرَامُ، كَمَا جَاءَ فِي دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.